11
اكتوبر
2022
ولادة الحقيقة المحمدية العظمى .. الصدور الأول بقلم الدكتور : نعمة العبادي/ النجف
نشر منذ 2 شهر - عدد المشاهدات : 135

 

يؤرخ لولادة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بتأريخين هما الثاني عشر و السابع عشر من ربيع الأول ، و قد حاولت بعض الدول دمج المناسبتين في أسبوع متصل سمي بإسبوع الوحدة ، إحتفاء بالمولد الميمون و مع أن تحديد أحد التاريخين بكونه الأكثر رجحاناً و موافقة للدلائل و الأشارات أمر مهم ، إلا أنني في هذا العرض منصرف إلى القضايا الأهم و الأكثر حساسية و خلافاً فيما يتعلق بولادة النبي الأكرم و شخصيته العظيمة ، و أعرض هذه الامور من خلال الآتي :

- يتبنى أهل المعارف الربانية العليا رؤية مفادها ، أن هناك ولادتين للنبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الأولى  الولادة الظاهرية المعهودة ، و هي الولادة البايلوجية لجسده الشريف ، من رحم أمه السيدة آمنة (رضوان الله عليها) ، و هي التي وقع الخلاف فيها بين التاريخين المشار إليهما ، و الثانية و التي هي أسبق تحققاً و رتبة من الأولى ، هي الولادة التنزلية أو التحققية أو الصدور الأول أو الفيض الأول أو أول الدائرة أو ولادة المعنى أو مبدئ النور... الخ من التسميات التي تشير الى أن للنبي الاكرم ولادة أسبق و أعظم من ولادته البايلوجية ، بل سبقت الوجود بأجمعه  و ترى هذه الرؤية ، أن عالم الامكان و الوقوع ، بدأ بالوجود المحمدي المبارك .. فهو الصادر الأول و العقل الأول و العقل الأكمل ، و سر الوجود الأعلى و حقيقته وروحه العظيمة سابقة على كل الوجود ، وهذا التسلسل يتضمن أسبقية زمنية واسبقية شرفية واسبقية فلسفية عللية (أي أنه أسبق وجوداً من حيث الزمان ، و أسبق شرفاً لكل الموجود ، و يقع في أول دائرة العلل التي تمثل سلسلة و جود الخلق) ، و هي ليست أمراً معنوياً أعتبارياً ، بل هي حقيقة الحقائق و أظهر الوجود .

يمكن تفسير هذا النظر و بيانه من خلال أحد مقاربتين أو بدمجهما معاً ، الأولى ترى أن هناك حديث قدسي مهم ، يوجد شبه أجماع على قطعية صدوره و مضمونه ، يقول (إنما خلقت الخلق لكي أعرف) ، و الحديث و أضح في أن علة الخلق تحقيق معرفته جل و علا ، و المعرفة هنا لا تعني أنه جل و علا مجهول ، و إيجاد الخلق سيكون علة في اخراجه من ذاك المجهول ، و أنما و جوده الأجل الأعلى فوق مستوى أدراك أدوات المعرفة ، و ممنوع عمن سواه و لا سبيل الى معرفة صفاته و اسمائه إلا من خلال النظر في تجلياته إيجاده ، و هو الخلق الذي خلقه ، و لا شك في أن هذا الإيجاد الذي يشير له ويدل عليه ، يتسلسل من حيث الظهور و الخفوت أو من حيث مراتب الأكملية بناء على مستوى قابلية القابل (أي الاستعداد في كل موجود من الموجودات بحسب احكام السنن الإلهية العليا لتقبل الفيض الرباني الوجودي) ، فعلة النقص هي في الوجودات، والتي ليست لها قابلية استلام تمام الفيض و أظهار تمام النور ، و على هذا الاساس يكون النبي محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) هو الأسبق في تحقيق غاية (لأعرف) المشار إليها في الحديث القدسي ، أي أنه أنصع و أجلى واوضح مرآة عكست النور الألهي الأعظم ، و بما أن تسلسل الوجودات من حيث قدرتها على تحقيق هدف (لأعرف) تسلسل تنزلي ظهوري إظهاري ، فعليه يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهور الاسبق و الأكمل و المتقدم رتبة على كل الوجود ، و هنا عندما نتحدث عن الظهور النبوي ، لا نتحدث عن الجسد المادي ، بل عن الحقيقة المحمدية الكبرى ، وأما المقاربة الثانية لهذه الأسبقية ، تنطلق من تسبيب آخر ينطلق من الضرورة السننية نسبة الى السنن الكونية ، فكمال النبي صلى الله عليه وآله و سلم، و الذي دل الدليل على أنه ( أكمل و أتم و أعظم الوجودات على الأطلاق .

و هو الخاتم لما سبق و الفاتح لما أستقبل ، و هو سيد الانبياء و المرسلين)، يقتضي أن تكون لحقيقته الكبرى ، أبعد مدى زماني من حيث الأسبقية و الأشملية ، و كذلك أول صدور تحققي من حيث الأشرفية و الرتبية ، و لهذا هو الأول في سلم الصدور ، و هذه الأولية و

الأولوية هي شرفية وحقيقية في ذات الوقت .

أن هذا الفهم لحقيقة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله و سلم) ، يجعل الحديث عنه متعالياً عن المفردات التقليدية في تدوين السيرة ، و يعطي فهماً و اضحاً للمراتب المعنوية العظيمة التي ذكرها له القرآن الكريم ، و يصبح قوله تعالى (و إنك لعلى خلق عظيم) .

 صحيحاً سواء قرأناه (خُلِق أو خَلْق) ، فهو عظيم في كلا الصورتين ، و يليق به أن يكون (خَلْقه) عظيماً .

- يأنس معظم الشراح و المفسرين الذين يتناولون و صف النبي الأهم (حبيب الله) بالمنظور المرتكز في الأذهان عن علاقة (المحب بمحبوبه)، و هي تفسيرات تبقى قاصرة في إدراك الصورة الحقيقية لهذه العلاقة و المعطيات التي تتبعها ، فهي أعظم و أكبر من كل هذه التقريبات ، فتخيلوا معي أننا أستعرضنا علاقات الحب النقي الطاهر في تاريخ الإنسانية ، و تم ترتيبها من حيث أكمليتها و جمالها ، فمن الصعب إدراك الصورة التي تتربع على عرش هذا الهرم ، و هنا نتحدث عن علاقات الحب البشرية ، فكيف الحال في علاقة حب طرفاها (الله جل وعلا) و (الحقيقة المحمدية العظمى) ، إذ يتضمن هذا الحب درجات من القرب و الإلتصاق و الرعاية و العناية و المعرفة و الاهتمام و التعلق ، لا يمكن للعقل البشري القاصر ، أن يتصورها أو يدرك مداها ، ففي أحد صورها المذكورة في رواية المعراج :  تقدم يا محمد .. فهذا محل لا ينبغي لأحد من قبلك أو من بعدك ، كما أن هذه المحبوبية تدعم و تؤيد ، ضرورة أن يكون محمد (صلى عليه وآله وسلم) هو الصادر الأول .

- يورد القرآن الكريم في سورة الجمعة ملخصاً مكثفاً لسبب البعثة النبوية مم خلال قوله تعالى : (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، و يتضح من الآية المهام الرئيسة المرتبطة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و المتمثلة ب (يتلو عليهم آياته، يزكيهم، يعلمهم الكتاب و الحكمة)، وهي مفردات تقتضي فهماً عميقاً لأدراك طبيعة المهمة التي تتناسب مع عظمة المبعوث ، فلاشك في أن التلاوة لا تعني القراءة التقليدية على مسامع الحضور ، كما أن التزكية هي فعل أعمق و أعلى رتبة من التنظيف والتطهير ، و عليه لا بد أن نتصور ما ينبغي أن يفعله النبي لتحقيق التزكية ، كما ينبغي أن نعرف ، أن الذين نالهم شرف التزكية ليسوا كل الذين أدركوا النبي وبلغتهم تلاوته، ثم هناك رتبة أعلى من التزكية ، و مهمة اخطر و هي مهمة تعليم الكتاب و الحكمة ، ومما لا شك في أن الذين نالهم شرف تعلم الكتاب و الحكمة دائرة أضيق ، فهذه المهمة تلخص مستويات الإنتفاع من النور المحمدي العظيم ، فهناك خلق و قفوا عند رتبة تلاوة الآيات ، وخلق عند رتبة التزكية و خلق بلغوا رتبة تعلم الكتاب و الحكمة ، لذلك فإن مقياس تمثلات الأشخاص و الأتجاهات للبني و لبعثته يكون على هذا الاساس من التدرج ، فالاحق بالنبي و الأقرب إليه و الاصدق أتباعاً ، هم الذين بلغوا معه رتبة تعلم الكتاب و الحكمة ، و الكتاب هنا لا يعني القرآن الظاهري ، بل هو سجل المعارف و الحقائق الالهية التي تمثل روح الآيات الظاهرية ، و التي أشير لها في توصيف (في أم الكتاب).

هذا الفهم للمهمة النبوية و درجات الأتباع و التبعية ، يعيد تعريف فكرة الأقرب و الأبعد ، و الأكثر تمثيلاً للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، و به يصبح تقسيم مسار الجماعات المرتبطة بالأسلام و الحاملة له ، على أساس التنافس في مستويات أخذها من النبي و من بعثته ، ولا قيمة للمدعيات اللفظية  و التشدقات الكلامية .

- أن حملات الكراهية القديمة الجديدة و إن ظهر بعضها معللاً بالجهل بحقيقة الإسلام و النبي الأكرم ، و لكن في حقيقتها الأصلية .. هي توجهات خط الشيطان المنظم و المرتب ، و الذي لديه رؤية عميقة في هذا العداء الوجودي ، و لا بد من فهمها في هذا السياق ، كما أن خط النفاق الذي ساهم في طرح أمور و قضايا شكلت بلبلة و ارضية رخوة ، يتم إستغلالها بعناية من قبل خط الشيطان ، فهناك تحالف و تخادم قديم بين الخطين ، و عليه لا بد من تحري أفعال خط النفاق الذي أشتغل على أفتعال الثغرات و الهنات المدعاة زوراً على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و الاسلام الحق ، و أن مسؤولية المواجهة لا بد أن تبدأ من مواجهة خط النفاق أولاً ، فهو خط يتسربل بلباس الإسلام و يندس بين صفوفه ، و هو الأخطر و الأكثر ضرراً .

- دائماً يلفت إنتباهي هذا المعطى العظيم و الخاص ، الذي يترتب على أثر أتباع النبي (صلى عليه وآله و سلم) ، و الإيمان الحقيقي بدعوته ، و المتمثل ب (أصلاح البال) ، فقد أشار إليه القرآن الكريم على سبيل المثال مرتين في سورة محمد مرة في قوله تعالى (و الذين آمنوا و عملوا الصالحات و آمنوا بما نزل على محمد و هو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم و أصلح بالهم) ، و مرة في قوله تعالى مستطرداً في ذكر المعطيات التي تترتب على أثر الشهادة في سبيل الله في قوله تعالى (سيهديهم و يصلح بالهم)، و أصلاح البال هو رتبة عالية من البناء النفسي و الروحي و رفع درجات الأستعداد القلبية من خلال اللمس الألهي الرحماني الرحيمي ، و أشارت بعض التفاسير التي تهتم بالتأويل أن هذه الآية نزلت في مجموعة خاصة من صحابة النبي (ص) لثباتهم الأصدق على دعوته ، و تصديقهم و ايمانهم بولاية أمير المؤمنين علي (علية السلام) المشار إليها في الآية بقوله تعالى (و هو الحق) .

أبارك للإنسانية جمعاء مولد الحقيقة المحمدية العظمى ، و أسال الله جلا و علا أن يرزقنا زيارته في الدنيا و شفاعته في الآخرة ، و أدعو إلى بذل جهد مؤسسي كبير يتم من خلال الجامعات و المؤسسات المهتمة بالمعرفة إلى البحث في شخصية النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و في دينه العظيم و في مكانته عند الله و الآثار التي تترتب على الإيمان الحقيقي بدعوته ، و أن يتم الرد على الأكاذيب و الأباطيل بالمعرفة و الدليل و بالحكمة و الموعظة الحسنة ، و على المسلمين أن يتداركوا أنفسهم ، و يلتفتوا الى حالهم بعد أن زهدوا بالاسلام الحقيقي و أنتهجوا طرقاً و سبلاً شطت بهم عن جادة الصواب .. و جعلتهم طرائق قددا ./أنتهى

 

 

 

 

 


صور مرفقة






أخبار متعلقة
تابعنا على الفيس بوك
التوقيت الان
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار
top