عدد الزوار الكلى : 1606427
26
ابريل
2018
نحات الكلمات قراءة مختصرة في منجز الشاعر صلاح شلوان .. بقلم هيثم جبار
نشر منذ 6 شهر - عدد المشاهدات : 197

صلاح شلوان من الشعراء الذين لا يحبذون النشر, ولا يحب تسليط الاضواء عليه, حاله حال عادل مردان, واستطيع القول انه من الشعراء الشبه مغمورين, رغم ذلك يعد صلاح شلوان من الشعراء المعدودين الذين يشار اليهم بانهم من أبدعوا في كتابة قصيدة النثر في البصرة, من يقرا شعره, لم يعثر على جملة مكررة, فهو لم يكتب قصيدة حر غير موزونة, ولم يكتب بلغة الاستعارة والمجاز التي كتب بها مئات الشعراء, او بما يسمى بالبلاغة التقليدية حتى مللنا منها وأصبحت لغة كلاسيكية عتيقة منذ ايام السياب ولحد الان, لغة صلاح شلوان لغة جديدة على القارئ, فهو يكتب كناية عن الأشياء اللاشعرية ويخلق منها قصائد شعرية.
فهو لم يكتب عن الخدود والنهود, ولا الشعر الاشقر والعيون السود, فهو يكتب عن كلب, يراقبه اهل القرية, وهو يأتي كل يوم يتشمم ذلك القبر, ويلطع شاهدته لمرات ومرات, ثم يعود ادراجه, فيمر بكوخ مهجور, فيعوي عواء مرا . يكتب عن قبعة غريبة, تتسكع في سهل شائك, يكتب عن حانة مضيئة على جبل, طأطأت رأسها الجميل المشتعل, شيئا فشيئا وراء الصخور, مثل شمس في المغيب, يكتب عن طائر غريب, القت به الريح سهوا, في مشارق الظلام, بعد ان قالوا : تلك امك...واغلقت الابواب. يكتب عن الجرذ الذي يمشي متبخترا امام هر معلق في لوحة على الجدار, يكتب عن اعشاب مترعة, خلف ثكنة للعساكر القديمة, لن يحج اليها الرعاة بعد
رغم كل هذا الابداع لدا الشاعر صلاح شلوان الا انه لا يعرف كيف كيف يسوق نفسه شعريا في المهرجانات والاحتفالات فهو ليس لديه خبرة بمسح الاكتاف
استطيع القول بان الشاعر صلاح شلوان ينحت كلماته نحتا, من خلال قراءتي لمجاميعه الشعرية ولا سيما الاخيرة ( التلاشي) وربما جاء هذا العنوان اسما على مسمى , اذ لا يوجد قارئ واع ومنتج للنصوص , يقرأ ما يكتبه هذا الشاعر الا ويذوب بكلماته ومعانيه ويتلاشى بها , ذكرت فيما سلف بان الشاعر لا يكتب قصيدة نثرية تقليدية , او بالاحرى لا يكتب قصائد فيسبوكية حلاوتها تنتهي بمجرد الانتهاء من قراءتها , بل انه ينحت قصائده وكلماته في ذهن المتلقي , يترك القارئ ينتج ما تملي عليه ثقافته , من فكرة او قصة او مشهد سينمائي او حدث تاريخي , فهو يقول في احدى قصائده من مجموعة ( التلاشي ):
الرأس فوق السهل 
والفاتح السيّاف 
يطلب منها المزيد على السرير
اية سبية أٌحلت من السماء الليلة
انظر كيف يترك للقارئ حرية التأويل , وكأنه يقول للمتلقي انت وقراءتك , انت وثقافتك , نحن نرى في هذا النص حادثا تاريخيا , معركة طاحنة تنتصر بها طائفة على طائفة اخرى تقطع رؤوس رجالها وتسبى نساؤها, والطائفة دينية لا غير , ففي الحروب الحديثة والمعهودة بين الدول في العصر الحديث النساء لا تسبى الا اذا كانت حرب دينية والدليل على ذلك ( اي سبية احلت من السماء الليلة ) اذن كل ما فعله الفاتح السياف من قطع رؤوس ومضاجعة السبابا على السرير كان حلالا في نظر السماء او في نظره , وهذا ما عهدناه في الفترة الاخيرة من الدولة اللااسلامية الداعشية , هذه احدى تاويلات النص ربما ياتي قارئ اخر لا يرى كل هذا الكلام في النص بل ينظر من خلال السطر الاخير ( اي سبية احلت من السماء الليلة! ) , ويعد النص نوعا من التمرد على احكام السماء وعلى احكام الجهاد والقتال وسنة الله وما شابه ذلك
في نص اخر من نفس المجموعة (التلاشي) يقول الشاعر :

صبيان يتجاوزان جوعهما 
بينما الملجأ مفتوح 
قبل عبورهما 
الغابة 
يرسم الشاعر في ذهن القارئ قصة طفلين صغيرين يتيمين لا مأوى لهما ولا سكن ربما هربا من شخص كان يظلمهما ورفضا اللجوء الى ملجأ الايتام او ربما هربا من الملجأ نفسه لما عانا من قسوة معاملة وازدراء وجوع وظلم , ربما هناك بعد اجتياز الغابة ينتظرهما بريق امل, كل قارئ يفسر النص حسب ما تملي عليه ثقافته الا ان غاية الشاعر ان يحفر المعاناة والمأساة حفرا وينحنتها ي ذهن المتلقي ويتركه يبحث عن ضالته
يقول الشاعر الكبير ادونيس ( لا شعر دون معاناة ) فاي صورة للمأساة تجدها في هذه اللوحة التي رسمها الشاعر صلاح شلوان للام المفجوعة التي طردت في منتصف الليل يقول في مجموعة ( بريد الاحجار المنزوعة ). 
طلعت والليلة في اوجها
وكان محمولا بين ذراعيها 
وبدلا من ان تنظم الينا 
اخذت بالعويل
لم ار شاعرا يصور معاناة الأم مثل ما صورها هذا الشاعر , الأم المفجوعة , الأم المهاجرة , الأم المضطهدة , الام الممتحنة التي امتحنت بين حمل اطفالها وبين حمل حقائبها في يوم ماطر وطريق موحشة لا شي فيها غير الوحل يقول في مجموعة ( التلاشي )
وحل العجلات البعيدة 
ظل ملاصقا 
لحقيبة الام 
المفجوعة
بعدة كلمات لا تتجاوز اصابع اليدين يرسم لك صلاح شلوان مأساة باكملها , قصائده تقرا وتقرا بتأن ووعي , في مجموعته الشعرية ( بريد الاحجار المنزوعة ) الكثير من المشاهد السينمائية , واللوحات الفنية , فقد صور لنا اكثر من مشهد سينمائي باربع كلمات ايضا , ثمة قطار مليء بإسراء الحرب , والاسير لا يرجو سوى سلامته , فكيف اذا كانت هناك طائرة تحلق فوق القطار لتضربه , وقد شاهدها الأسرى من نوافذ القطار ؟ فضج القطار بالعويل والثبور وفي نهاية المطاف تبين انها ليست طائرة بل هو كيس من المطاط, يقول الشاعر صلاح شلوان في مجموعة بريد الاحجار المنزوعة
كيس من المطاط
طائر في الهواء
احدث العويل 
في داخل قطار الأسر
هكذا يرسم الشاعر مشهدا مرعبا للاسرى داخل القطار , وهو ذات المشهد المضحك بالنسبة للمتلقي , ساخرا بالحرب وكل ما يتعلق بها, وفي مشهد اخر للسجون التي ابتلع الكثير من الادباء والفنانين والمثقفين وفي نفس مجموعة بريد الاحجار يقول :

حين انهالوا عليه 
في ذلك الصباح القارص 
كانت هي الاخرى وحيدة وعارية 
ترقبه من خلال نافذة صغيرة
رسمها على جدار زنزانته
مشهد فنطازي رائع يجعل صورة الفتاة التي رسمها المسجون على جدار الزنزانة كيف تنظر اليه وهم يعذبونه وهي تتألم ، صلاح شلوان الانسان النقي الذي كان يعلم ان النقاء والعظمة ليس من الضروري ان تكون في الانسان ربما في لوحة فتاة على جدران السجن , ربما النقاء في الوردة او في الفراشة , والعظمة ربما تجدها عند عصفور , لذا قال اول كلمة في مجموعة (اسطوانة الألم) 
ايها النقي ايها العظيم
ليس من الضروري ان تكون انسانا 
وأخيرا كانت روحه كثير البكاء ولا سيما في مجموعته اسطوانه الالم حيث برقته دموعه في الكثير من قصائده القصار وهذا نزر قليل منها
اراقب البحر الجليدي ( في تصفده ).
وحين لم اجدها ادير ظهري
واجهش بالبكاء.
××××

انا عائم احتبس دموعي
بين سماوات من حجر
لا يسمع لي انين 
ولا يرى لي ظل
×××× 
كلب مر على كوخ مهجور
عوى بمرارة
فعويت معه./انتهى


صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
تابعنا على الفيس بوك
التوقيت الان
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار
top