عدد الزوار الكلى : 1163618
9
ابريل
2018
(العريف ليلو ( قصة قصيرة ......باسم القطراني
نشر منذ 2 شهر - عدد المشاهدات : 80

 مازلت أتذكر تلك اللحظة جيدا ، فهي علامة فارقة ومثابة غريبة الأثر والتأثير في عقلي ووجداني . يومها كنا أرقاما فقط ، يحسبنا النائب ضابط ليطمئن آمره الذي ندفع ثمن بريق النجمات المسطرة على كتفه بأننا موجودون دوما وأبدا ، نسير كفراخ الدجاج الى أي ساتر لنستعيده مهما كان الثمن . بنا تشتعل الحرب وبأجسادنا تنطفئ ، لذا فقدنا الإحساس رويدا بوخزات عواطفنا التي لم تعد لذيذة كما كانت عليه وغدونا نهبا لقسوة اليأس الذي أحالنا الى مجرد كائنات تحترف الحرب بالنيابة دائما . سنوات ثمان من حرب طحنت وعجنت وخبزت أجسادا وأمنيات ولاضوء في نهاية النفق ، غير ان اللامتوقع يقتحم فجأة فيطيح بكل ما تشبع في أرواحنا من يأس ليعلن توقف الحرب هكذا دون مقدمات . يومها تجمعنا حول المذياع الصغير نرهف أسماعنا لصوت المذيع يهدر مبشرا بتوقفها حتى أحسسنا بالموجات الكهرومغناطيسية وقد تدفقت بوداعة بالغة من بدن الترانسستر الصغير ، رقصنا جميعا مثل قرقوزات على أنغام اناشيد لم نكن نؤمن بها . وحده لم يكن فرحا ساعتها فقد افصحت اساريره عن كآبة غير معتادة. العريف ليلو ، ذلك النحيف الذي استهلكته الحروب بنوبات صرعها ومزاجاتها العابثة فتركته مجموعة عظام ملتصقة بما تبقى من لحمه المتخشب.

مابك صديقي ، لاتبدو سعيدا مثلنا ..(قلت وقد دنوت منه وهو متكئ على الساتر الذي بدا باردا لأول مرة منذ سنين) . -ولماذا تريدني ان افرح ، فجأة اصبحنا خارج حسابات الحرب ، حياة جديدة لم نألفها ، كيف سننخرط فيها ، الحرب هي الحقيقة وما عداها فهو محض هراء .. وضعت ظاهر كفي على يافوخه فوجدته باردا ، ترى هل جن صديقي !! -ليلو ، هل تمزح ؟ -ابدا ياصديقي فلاوقت عندي لذلك .. - الحرب توقفت وانت تقول هذا ؟ عدل من هيأته قليلا واردف : - ولماذا بدأت اصلا ، لا أحد مسؤول عن إيقافها غيرنا نحن ، نحن طعمها وطعامها .. مازلت غير مصدق لتخرصات صديق حربي وذكرياتي فقلت : - ليلو عزيزي ، شئت ام ابيت فالحرب قدالقت رواسيها . -بالنسبة لكم فقط ، اما انا فلن ابرح هذا الساتر ، وسأعيش ما تبقى من عمري هنا ، الحرب بالنسبة لي مستمرة . لم اشك لحظة بأن ليلو العجيب قد أصابته لعنة الحرب ولم اتمالك نفسي فبكيت ، فيما انتشر خبر صديقي في الفوج ، ولم تنفع كل محاولات الآمر والضباط وبقية المراتب في ان تثنيه عن تنفيذ ما عزم عليه وقد أصبح حديث الجنود ومثار سخريتهم .

عدها بأيام صدرت الأوامر من القيادة بانسحابنا الى المواقع الخلفية فشعرنا بسعادة مضاعفة، الا ليلو لم يحرك ساكنا وكأنه قد سيق الى الخدمة الألزامية للتو. -الا تكف عن كل هذا الجنون ياصديقي ؟ - من وجهة نظرك انت اما انا فأشعر بأني في بيتي . - ليلو لقد انتهت الحرب ، هل تعرف معنى كل هذا ، لقد ربحنا ماتبقى من أعمارنا . - وانا ربحت حربا جديدة . عجز الجميع عن ثني صديقي وإعادته الى جادة العقل وحتى تهديدات الضباط لم تنفع في التأثير على قناعات محارب قديم . - إتركوه للذئاب ، هذا المعتوه ، فقط اسحبوا منه السلاح الذي بذمته ..(قال الآمر وقد نفذ صبره) بينما شعرنا جميعا بأسى بالغ لما آلت إليه حماقات ليلو العملاق . أحزمنا أمتعتنا وأغراضنا إلا هو فقد بدا منشغلا وقتها في ترتيب بيته الجديد ؛ الموضع الذي سقطت قربه قذائف العدو ولم يتأثر .

تم تجهيز كل شيء للأنسحاب وصدرت الأوامر سريعا فتحرك الرتل في نسق منتظم ، وقد كانت عيوننا جميعا نحن الراكبين في السيارات العسكرية المكشوفة ترنو الى العريف ليلو وقد انتصب على الساتر شامخا في صحراء موحشة وهو بكامل قيافته العسكرية يؤدي التحية العسكرية لنا ، وقد ابتعدنا رويدا وبالكاد أصبحنا نراه مثل شبح صغير ..

 

 

 

 

 

 


صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
تابعنا على الفيس بوك
التوقيت الان
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار
top