عدد الزوار الكلى : 627277
17
ابريل
2017
من ذاكرة الإذاعة والتلفزيون .... الشاعر عادل الشرقي
نشر منذ 7 شهر - عدد المشاهدات : 219

نزار قباني قال لي (أنا على يقين من أنك ستكون شاعرا كبيرا في يومٍ من الأيام)

عادل الشرقي هو الابن الثالث للشاعر والنسابة حمدي الشرقي، ولادة النجف الاشرف عام 1951 أي اصغر مني بعام واحد، هكذا تقول هوية الأحوال المدنية التي يحملها عادل، ورغم أن جميع أولاد الحاج حمدي الشرقي هم ولادة النجف وفيها تربوا ومنها نهلوا الثقافة والتعليم الا ان عادل يصر على أن يبدأ بسرد حياته التعليمية والأدبية من الكوفة، الكوفة هي ناحية تابعة الى قضاء النجف الذي يتبع بدوره إلى لواء كربلاء

تتميز الكوفة بمناخ جميل وبساتين خلابة بحكم موقعها على نهر الفرات وبوجود كورنيش الكوفة الذي يعد هو الملاذ الجميل والموقع السياحي للنجف وكثيرا ما كان أطباء النجف ينصحون بعض المرضى بسكن الكوفة .

 عادل الشرقي يبدأ مسيرته من الكوفة فيقول :-

-اسمح لي أن ابدأ أولا بالشكر والتحية لجميع كادر جريدة الزوراء محييا فيهم روح الإخوة والمحبة في الكتابة عن مسيرتي وعن اهتمامهم بالكتابة عني قبل هذا الحوار الذي تمثل في العرض الذي نشر حول ديواني الثامن ( بوح لانثى الياسمين ) وكتابي طائر الشعر والحب والوطن .

-سأحاولُ بشيءٍ من التفصيلِ أن أتناول حياتي الأدبية متمنيا أن تروق لكم مستعينا بالله أولاً ، وبذاكرتي المتواضعة المتعبة ثانياً ، كي أدونَ مراحل تطورها ، والعوامل التي أدت إلى نضوجها وبلورتها ، ابتداءً من مرحلتي الطفولة والصبا وانتهاءً بمرحلتي الشباب وما بعدها .

وها أنا الآن أرى ذلك الطفل الأسمر النحيل وهو يرتدي ( دشداشته ) البيضاء ، ويجلس القرفصاء مع مجموعة من أصدقائه في حارته في الكوفة ، حاملا في جيبه مجموعة من ( الدعابل ) الزجاجية الملونة ، ليصوبَ بأصابعه الملتفة على بعضها ، نحو مجموعة من الدعابل الأخرى كي يفوز بالحصول عليها ، ثم أراني بعد هذه الجولات التي كانت تتكرر كل يوم ، حاملا طيارتي الورقية لأسحب خيطها كي تصعد عالياً وهي تشق عباب الريح . لأعود بعد كل جولات المرح هذه إلى البيت ، فأغسل وجهي ، ويديَّ وقدميَّ ، وأخرجُ دفاتري وكتبي المدرسية لأرى ما الذي كان عليَّ أن أؤديه من واجبات مدرسية .

كان والدي موظفاً بسيطاً في وزارة الصحة ، يعملُ جاهدا كل يومٍ ، كي يوفر لنا لقمة العيش ، وكانت أمي امرأة عصامية ( علوية ) متدينة لها طقوسها اليومية في الصلاة وتلاوة القرآن ، وقد حفظت القرآن على ظهر قلبٍ رغم أنها لا تقرأ ولا تكتب ، وإنما تعلمته عند الملالي.

لقد كانت طفولتي بسيطة متواضعة لا أزعم أنني كنت فيها منعَّما ومرفَّها وفي فمي ملعقة من ذهب ، ومع هذا كنا راضين بنعمتنا وما يجلبه لنا والدنا من كسوة وطعام .

غير أنني كنت أمتلك صوتا جميلا أدندنُ به في ساعات الفراغ ، وكنت محباً للشعر والأغاني ، فاكتشف المعلمون قدرتي على الإلقاء والخطابة ، وكانوا يطلبون مني الوقوفَ أمام الطلبة لقراءة بعض النصوص الشعرية من مادة القراءة الخلدونية .

ثم انتقلنا من مدينة الكوفة إلى مدينة النجف التي كانت قضاءً عائداً لمحافظة كربلاء.

وذات يوم وأثناء العطلة الصيفية لمدرستنا ، اصطحبني أبي إلى مدينة الناصرية ، ثم ذهبنا إلى مدينتي الشطرة والرفاعي، حيث كان والدي يبحث في الأنساب، ويستعد لتأليف كتابٍ عن العشائر الخاقانية التي نحن آل الشرقي، نُعدُّ فخذاً من أفخاذها، وحقا كانت رحلة رائعة وشيِّقة منحتني الكثير من تفاصيل الحياة الجميلة .

إلى هنا لابد لي من العودة إلى يوم الولادة لأكون واحدا من خلق الله في هذه الحياة، لقد ولدت في مدينة النجف الأشرف / في 1 / 6 / 1952 غير أن أبي ولأسباب لا أعرفها ، اصطحبني ذات يوم إلى دائرة التجنيد في النجف الأشرف ، فغير يوم ميلادي إلى 1951، وكانت ولادتي في منطقة إسمها ( العمارة) والتي تقع بالقرب من مرقد الإمام عليٍّ عليه السلام ، حيث أنحدر من أبٍ عراقي ، هو حمدي حسن محمد علي الشرقي، الذي تعلم القراءة والكتابة في المدارس الفقهية على أيدي أساتذة وعلماء متخصصين في العلم والدين في العراق ، وتحديدا في مدينة النجف الأشرف، فكان كاتبا وباحثا مهما ، أصدر في حياته كتابين هما الجزء الأول من كتابه ( تاريخ العشائر الخاقانية ) وأعقبه بالجزء الثاني من نفس الكتاب ، فضلا عن كونه ناظما للشعر في بعض الأحيان .

لقد كانت مدرسة ( ابن حيان ) في الكوفة ، هي أول مدرسة تلقيت فيها تعليمي الابتدائي ، غير أني لا أذكر أنني قد كنت أهتم كثيرا بالشعر والأدب إبان طفولتي ، فقد كنت ميّالا إلى اللعب مع أصدقائي ولهذا لم أتوقف عندها كثيراً اللهم سوى مشاركتي في قراءة بعض القصائد في ساحة المدرسة يوم الخميس ، وأثناء رفع العلم .

عادل الشرقي يافع يترعرع في كنف عائلة عريقة بالأدب والشعر والوطنية .

ويستمر عادل الشرقي في سرد مسيرته مستذكرا أخوانه فيقول :-

أنا أعَدُّ، الأخ الثالث لإخواني ، كامل وجمال ونضال وأديب والشهيد عماد ،الذي استشهد في العراق بعد الاحتلال ، أما أخوايَ المعروفان إعلامياً وأدبياً ، فهما كامل ويليه جمال ، وثالثهم أنا ، وقد كان لأخي الشاعر والصحفي كامل الشرقي ، الذي كان يحتل مكانة مرموقة في الشعر في الستينات ، الدور البارز في تطوير موهبتي وصقلها ، وقد كان سببا مهما في رعايتي وتوجيهي الوجهة الصحيحة في الاهتداء إلى المنابع المهمة في الشعر العربي القديم والمعاصر ، مما مكنني من التعرف على الكثير من الشعراء العرب ولاسيما منهم شعراء المعلقات السبع ، حيث تمكنت من قراءة واستيعاب قصائدهم وحفظها عن ظهر قلب ، ثم درست شعر المتنبي ووقفت عند صوره البلاغية ومعانيه المحلقة في فضاء الإبداع والتجلي ، كما درست شعر جرير والفرزدق وتعرفت على المعارك الشعرية التي كانت تجري بينهما فعشقت قصائدهما عشقا كبيرا ، غير أني كلما اتجهت صوب مكتبتنا الصغيرة العائدة لأخي كامل ، لاح لي من بين الكتب ديوان جدي الشاعر الكبير الشيخ علي الشرقي رحمه الله ، حيث كان يحتل مكانا بارزا في المكتبة ، ذلك أن والدي رحمه الله ، كان يُعِدُّهُ من ألذ وأعذب الدواوين المحببة إليه ، حتى أنني لطالما وجدته غير مرةٍ ، ليس موجودا في مكانه ، لأعرف فيما بعد ، بأن والدي قد وضعه بالقرب من وسادته ، يقرأ فيه كلما وجد فسحة من الوقت ، وقد كان يحفظ الكثير من قصائد الديوان وكان ديوان جدنا الشرقي يحمل عنوان ( عواطف وعواصف )، ولكم كنت أتصفحهُ وأقرأ قصائده بإمعان ، فتعلمت منه الكثير من التقنيات الشعرية ، وأهمها تركيب الصورة ، وجزالة المعنى ، وقوة الإيحاء فيها ، وقوة التأثير في المتلقي ، وكنت أجد متعة خلال اطلاعي على الطريقة الساخرة التي تتشكل فيها صوره ومعانيه، ولكم كان أبي الذي كان معجبا بديوان الشرقي، يردد بعض القصائد أمام من يزورنا من الأصدقاء والمثقفين .

ثم كان لجدي الآخر الذي هو ابن خال جدنا علي الشرقي وهو الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ، التأثير الآخر في تجربتي الشعرية ، حيث كان من أوائل الشعراء الذين كنت أسعى للتعرف على تجاربهم الشعرية ، وقد حرصت على تقمص شخصيتَيْ جدَّيَّ الشرقي والجواهري ، وتشكيل صوري الشعرية على وفق ما كانا يكتبان ، وبما يجعلها مضاهية لهما من حيث اختيار الكلمات والألفاظ والمعاني .

عادل الشرقي والبيئة النجفية تصقل مواهبه وتشد عوده الأدبي

لقد كانت البيئة النجفية ، بيئة صالحة لنمو موهبة الشعراء ، ولهذا فقد وجد عادل نفسه ، محاطاً بالمعنيين بالشعر ومدارس الفقه واللغة العربية ، فأثر ذلك في عملية بنائه الشعري ، وتقوية عوده الذي كان ما يزال يانعا وطريا ، فضلا عن انتباه معلمه في المدرسة الثانوية ،وأهمهم الشاعر المبدع المرحوم عبد الأمير معلة ، والقاص والروائي المبدع موفق خضر رحمهما الله ، حيث كانا من أوائل الذين عملوا على رعاية تلك الموهبة التي بدأت تتفتق منذ ريعان صباه ، ولا زال عادل يتذكر أن الشاعر عبد الأمير معلة الذي كان يدرسه درس اللغة العربية ، ويعد ليس أستاذا نمطياً وتقليدياً ، وإنما كان يعطي للدرس نكهة وحلاوة منحته الرغبة والتواصل والمحبة لطريقته في التدريس ، من خلال أضافته لدرس آخر وذلك بقراءة ، قسم لا بأس به من رواية ( الشيخ والبحر للكاتب الأمريكي ( أرنست همنكواي )، وكانت ساحة المدرسة ، منبرا ينطلق من خلاله صوت عادل الذي كان مميزا في الإلقاء ، وقد كان اسمها إعدادية الكندي .

عادل يدخل عالم التمثيل

مدينة النجف كانت ولا زالت منبعا للإبداع في شتى نواحي الفنون ومنها التمثيل الذي دخله عادل وعمره لا يزيد على اثني عشر عاما او اكثر بقليل ، فأسندت اليه في طفولته أهم الأدوار المسرحية ، في مسرحية كان اسمها ( الزوجة الثانية ) في بداية الستينات ، والتي تم عرضها على مسرح بهو البلدية في مدينة النجف الأشرف ، وكانت من إخراج المرحوم كاظم الساعاتي ، حيث قام بأداء دور الابن سليم وهو الوحيد لأبيه ، وقد قيل عنه إنه كان ممثلا بارعا أشادت بدوره كل الأوساط الإعلامية والفنية والصحفية في ذلك الوقت ، ثم واصل العمل في مجال التمثيل لسنوات طويلة ، وظهر في مسرحيات عدة ، وقام بأداء أهم الأدوار في مسرحيات متنوعة منها مسرحية الولد الأعمى ومسرحية أخرى لا أتذكر اسمها كانت من إخراج الفنان والمخرج السينمائي الكبير عبد السلام الأعظمي .

وهكذا اندمجت موهبة الشعر والتمثيل في شخصية الشاعر عادل الشرقي ، غير أنه سرعان ما ترك التمثيل ، وبقي ملتصقا بالشعر وفنونه ، يبحث كل يوم في دواوين الشعراء ، ويحدث نفسه عن إمكانية التقدم شيئاً فشيئا في مسيرته اليومية ، وغالبا ما كنت أراه شارد التفكير فاسأله ماذا بك فيقول :- أرى الكبار من شعرائنا وأقول : هل سأكون مثلهم وهل ستكون الأيام القادمة صعبة للغاية ، فكيف لي أن أسجل حضوري وأعلن عن كينونتي الشعرية ، وأنا أرى مثل هؤلاء الشعراء الكبار ، ثم من أكون أنا إزاء شاعر مثل المتنبي أو ذو الرمة ، وزهير بن أبي سليمى وجرير والفرزدق وأبو العتاهية وعنترة بن شداد وغيرهم ، حينها كنا نضحك سوية وعلى مقربة من أخينا الكبير كامل الشرقي فيشاركنا الضحك والتأملات التي كانت كبيرة علينا .

بداياتنا أنا وعادل الشرقي في مدينة اسمها (الطوبجي )

في حي صغير اسمه ( الطوبجي) الذي سمي فيما بعد حي السلام كانت بوادر اهتماماتنا خاصة أنا وعادل فكنا نكتب أولى محاولات الشعر غير ان اخي عادل كان اقرب مني للشعر فكان أخينا كامل يوجهه ويقرب له المسافات ولما وجدت نفسي اقل من أخي رغبة في الشعر وجت نفسي قارئا لهما لقراءة قصص نجيب محفوظ ويوسف السباعي وجبران حتى أني لا أزال اتذكر جيدا تلك الغرفة العليا في بيتنا غير مطلية الجدران اقرأ كل ليلة رواية كاملة مستغلا تأجيل عام كامل من دراستي المتوسطة في متوسطة المحمدية لأكون فيما بعد قد كتبت أكثر من عشر قصص قصيرة كنت أتناول فيها معارك الجيش العراقي ضد قوات إيران في حرب عام ثمانين من القرن الماضي , حينها كل واحد منا رسم اولى خطوات طريقه .

عادل الشرقي والشعر الحر

يبدو ان عادل كان منتبها لنفسه في تلك المرحلة وتلك التجربة الفتية ، وحرص على تطوير أدواته ، واختيار مفرداته وألفاظه وكلماته بنفسه ، وقرر أن يختط لنفسه منهجا شعريا خاصا به ، بعيدا عن كل التأثيرات والمؤثرات الخارجية ، ورغم توجيه النقد له من قبل البعض من شعراء جيله ، في أنه أستخدم البساطة في لغته وتشكيل صوره ، إلا أنه كان يقول لهم بأن لغته وصوره الشعرية تتميزان بالسهل الممتنع ، ولهذا فقد كان يقال عنها بأنها كانت عذبة تسيل منثالة كأنها الماء المنساب في جدول رقراق .

رحلة عادل الشرقي مع الشعر""""

مثلما قلت ان عادل الشرقي بدأ يضع اولى لبنات بنائه الشعري ولهذا يقول :-

– بدأت رحلتي مع الشعر تتطور يوما بعد يوم ، وكنت أحرص على ادخار مصروفي البسيط لشراء بعض الكتب والمؤلفات الأدبية ، وشاركت في العديد من مهرجانات الخطابة التي كانت تقام آنذاك في محافظة كربلاء التي كانت مدينة النجف قضاء تابعا لها ، فحققت امتيازا واضحا وحصلت على شهادات تقديرية وهدايا مازلت أذكر أنها كانت عبارة عن مجموعة من الكتب والدواوين الشعرية المهمة .

لقد كانت بداياتي الشعرية البسيطة ما تزال تنمو وتترعرع ، وكنت أراسل بعض المجلات آنذاك ، فنشرت لي جريدة الشعب التي كان يشرف عليها آنذاك الصحفي المرموق لطفي الخياط رحمه الله ، ثم نشرت لي قصيدة في مجلة الأقلام في الستينات ، وظهرت مجلة ( اليافعون ) في مدرستنا الثانوية ( ثانوية الكندي ) والتي أشرف على إصدارها معلمنا الشاعر المبدع عبد الأمير معلة ، فنُشرت لي فيها قصيدتان الأولى من شعر التفعيلة والثانية كانت قصيدة عمودية كانت بعنوان ( بيارق النصر )، وأذكر أنني قد تسلمت من المجلة مكافأة عنها قدرها أربعة دنانير ، سرعان ما أهرقتها جميعها بشراء ثلاث ( كرويتات ) من النوع الصنوبر .

لقد كان الميدان الذي ذكرت فيه الأحداث المنصرمة ، يتعلق بالتجربة الشعرية البسيطة والمشاركات والفعاليات الخطابية والأدوار المسرحية التي قمت فيها ،متنقلا بين الكوفة والنجف وكربلاء ، وكنت أراقب المشهد العام الشعري آنذاك ، وأول ما لفت انتباهي ، هو ظهور التحول الكبير في حركة الشعر آنذاك على أيدي بعض الشعراء المتميزين في الستينات ،والذين كانوا ينشرون أغلب قصائدهم وتنظيراتهم في مجلة ( الكلمة ) التي كان يرأس تحريرها ويمولها الكاتب القدير حميد المطبعي ، فكانت ثورة هؤلاء الشبان تسمى في حينها ، ثورة الشعر الحديث ، وهي ثورة وانقلاب على القصيدة العمودية الكلاسيكية ، ونسف لقافيتها وشكلها الرتيب كما كانوا يقولون ، ومن أهم الأسماء التي كانت بارزة آنذاك هم الشعراء ، حميد سعيد ، وسامي مهدي ، وعبد الأمير معلة ، وخالد علي مصطفى ، وكامل الشرقي ، وحسب الشيخ جعفر وفوزي كريم وغيرهم ،إذ كان كل هؤلاء يميلون إلى التمرد على العروض ، وينسفون قاعدته ، ويمنحون النص الشعري ثوب الحداثة والتجديد ، وقد اهتمت بهم الصحافة آنذاك ، وصاروا ينشرون قصائدهم ومقالاتهم في معظم الصحف الصادرة آنذاك ، وقد أصدرت جريدة الجمهورية ملحقا خاصا بقصيدة التفعيلة أو ما تسمى بقصيدة ( الشعر الحر ) .

وكنت أنا مراقباً جيداً لكل ما يحدث بكل شغف ، ورغم صغري فقد كنت أرى أن من أكثر هؤلاء تميزاً هو سامي مهدي وحميد سعيد ، وكان يخوض غمار الكتابة معهما بقية الشعراء الذين منهم كامل الشرقي وفوزي كريم وغيرهم،ولذت بالقراءة بعيدا عن الخوض مع هذه الأسماء التي وجدت نفسي غير قادر على أن أجاري أحدهم ، بسبب قلة خبرتي في الشعر ، وعدم امتلاكي للأدوات الشعرية المطلوبة ، غير أني من جانب آخر ، كنت أغبطهم على ما هم عليه من الق شعري بدأ يشغل اهتمام المثقفين والصحافة والمهرجانات التي كانت تقام آنذاك ، وأهمها مهرجان المربد الشعري .

عادل الشرقي والمشاركة الشعرية الاولى في رحاب بغداد عاصمة الأدب والشعر.

هنا يتذكر عادل الشرقي اولى مسيرته مع جيله فيقول :-

-لقد كان المشهد الشعري في السبعينات ، محتدما وبدأت تظهر فيه أصوات الشعراء الشباب آنذاك ، ممثلة ببعض الأسماء التي كانت تحاول تأكيد حضور لها في تلك الأيام ، ومن بين هؤلاء ، خزعل الماجدي وزاهر الجيزاني ورعد عبد القادر وسلام كاظم وفاروق يوسف وأمين جياد وأديب كمال الدين وعبد الزهرة زكي وصاحب الشاهر وحميد قاسم وهادي ياسين علي وكاظم الحجاج وساجدة الموسوي وغزاي درع الطائي وعبد المنعم حمندي وفيصل جاسم وعادل الشرقي .

نعم ، لقد كان المشهد الشعري لا يسمح بمرور الأسماء الهشة ، فالشعراء الستينيون يحتلون مكانة بارزة في المشهد الثقافي ، ولابد للشاعر أن يتوفر على قدر مقبول من الموهبة ، فيقدم نفسه بنصوص جيدة حتى يسمح له بالمرور ، ولا أقصد هنا ، بأن الشعراء الستينيين كانوا يمارسون نوعا من الإقصاء للآخرين ، ولكن الحالة كانت تستدعي أن يتوفر الشاعر على قدر مميز لكي يعلن عن نفسه ، وقد حازت هذه الأسماء التي ذكرتها من الشعراء السبعينيين على تميز واضح في الكتابة ، وبدأوا ينشرون نتاجاتهم في أهم الصحف ، وأقيمت لهم أهم المهرجانات في العراق ، منها على ما أذكر مهرجان الطليعة الأدبية الكبير للشعراء الشباب في العراق ، كما كانت لهم أصواتهم المتميزة في مهرجانات المربد المتتالية كل عام ، لا بل لمعت أسماؤهم ، وسمقت قاماتهم ، وهم الآن يحتلون مكانة بارزة ومهمة في خارطة الشعر العراقي والعربي ، ولا سيما منهم الشاعر المبدع أمين جياد ، الذي اختط لنفسه أسلوبا واضحا ومميزا في كتابة النص ، ولم يسطو على أحد ، أو نهل من الملاحم والأساطير القديمة .

عام 1968 ، انتقلنا من مدينة النجف إلى بغداد ، فقد كان أخي كامل فيها وهو الأكبر في العائلة ، وله صلاته وعلاقاته الواسعة في الصحافة ، واستقر بنا المطاف في بغداد ، فكانت العاصمة هي المستقر ، وهي الفضاء الأوسع لحياتنا في كل الاتجاهات ، فها هي الصحف والمجلات العراقية أمامي ، وها هي المكتبات في الباب الشرقي من العاصمة وفي شارع المتنبي تعرض أهم الكتب ، غير أن الحال ، ما يزال لا يساعدني على اقتناء الكتب ، وما أن تكون عندي مبلغ بسيط ، حتى هرعت لشراء كتاب كنت أحبه كثيرا ، وأتمنى شراءه ، ذلك هو كتاب ( الوجود والعدم ) للكاتب الفرنسي الوجودي جان بول سارتر ، وبدأت بقراءته بشكل يومي وكأنني استعد لإجراء إمتحان مدرسي ، وحين انتهيت من قراءة هذا الكتاب ، شعرت وكأنني قد أخذت جرعة مهمة من الثقافة أثرتني ثراء رائعا ، ثم بدأت باقتناء الكتب المهمة الواحد تلو الآخر ، فضلا عن ما هو موجود في مكتبتنا البيتية من كتب مهمة .

ثم تعرفت على بعض الشعراء ، كان أولهم أمين جياد ، فقد وجدت فيه الطيبة ودماثة الخلق ، وذات يوم ، تمت دعوة الشعراء الشباب للمشاركة في مهرجان شعري في منطقة الوزيرية ، وقد دعت لهذا المهرجان ، مجلة ألف باء التي كان يرأس تحريرها حسن العلوي ، ولا ادري كيف اتفق الحال على أن تقوم المجلة بإقامة ذلك المهرجان ، وذهبت بصحبة أمين جياد الذي أخبرني هو سرا بذلك المهرجان ، وأوصاني في أن أكون شجاعا ولا أتردد ولا أخاف ، وأذكر أنه قد أشار لي ، بأن بعض الشعراء الشباب الذين معنا ، لا يحبون كثيرا ، أن يشاركهم غيرهم في مثل هذه المناسبات ، وكانت مشاركتي في ذلك المهرجان هي الأولى في بغداد .

ها أنا الآن أجتاز العام الخامس والعشرين من عمري ، وقد تغيَّرت نظرتي للحياة ، وأنا أعيش في بيئة جديدة تختلف كليّا عن بيئة النجف التي كانت محافظة تتسم باتباع تقاليد صارمة ، إنها بغداد ، بكل ما فيها من معالم ثقافية وحضارية واجتماعية ، فالمرأة التي كنت أراها ملفوفة بعباءة سوداء ، ووشاح أسود أو أبيض تلف به رأسها وممنوع عليها التقرب من الرجل في الشارع العام والحديث معه حتى لو كان من أقاربها ، ها أنا الآن أراها وهي حاسرة الرأس ، ترتدي ملابس قصيرة ، بما يسمى بال (ميني جوب ) ، ويحمل جسدها ( الكعب العالي ) ، كما إني أرى أبواب الحياة منفتحة على مصراعيها ، فبعض الشباب يطيلون شعر رؤوسهم ، بما يسمونه بال ( الخنافس ) ، وذؤاباتهم عريضة على جانبي الوجوه ، كما أنهم يرتدون بناطيل عريضة من الأسفل ، كانت تسمى بال ( جارلس ) ، ويسمعون بشكل طبيعي أغاني ( ديمس روسز ) وأغاني ( الجاز ) ، بينما كان الشباب الذين أراهم في محافظة النجف ، يرتدي أغلبهم ( الدشداشة ) البيضاء والشحاطة ، وأغلب الرجال يردتدون العباءات والعقال على رؤوسهم ، بينما يرتدي البعض الآخر العمائم البيضاء والسوداء ، والقليل من الرجال والشباب يرتدون البدلات الرجالية ، فضلا عن انتشار دور السينما في بغداد ، ووجود بعض الحانات المنتشرة في منطقة الباب الشرقي ومنطقة ( أبو نواس )

نعم إنها بغداد الجميلة الباهرة بكل ما فيها ، فنهر دجلة المنساب المترقرق الذي يفصل بغداد إلى قسمين هما الكرخ والرصافة ، يجلس على ضفافه البغداديون في المقاهي المطلة على ضفتي النهر ، والمرأة هنا تتحدث مع الرجل وتشاركه العمل الوظيفي وتظهر في التلفاز كمذيعة أو مطربة أو مثقفة ، كما أن اللهجة قد اختلفت تماما ، فأبناء بغداد يتحدثون بلهجة بغدادية جميلة كأنها الحلوى ، أما مناطق الكرادة الشرقية والأعظمية والمنصور ، ففيها من البضائع وازدحام الناس ، ما يجعل الإنسان لا يمل من التطواف ليل نهار.

عادل الشرقي وبغداد العشق الأول والأخير


صور مرفقة







أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
تابعنا على الفيس بوك
التوقيت الان
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار
top