عدد الزوار الكلى : 2172043
7
يناير
2019
الملح يحرس البيوت .... مذكرات الشاعر زكي الديراوي
نشر منذ 3 شهر - عدد المشاهدات : 115

قبل ثلاثة أشهر تقريبا تعرضت لحادث عرضي مع إصابة بالكتف الأيمن.. طبيب قال تمزق مضاعف يحتاج فترة طويلة للشفاء ..وطبيب آخر قال هنالك رضوض تحتاج راحة وعلاج ..واخر قال علاج طبيعي .وأخذ أشعة اكس ربه.. وعملت جلسات علاج طبيعي لفترة شهر تقريبا بين يوم واخر.. ولم يحصل تحسن ...احد الأطباء قال تحتاج (مجبرجي) ..اليوم 6 كانون ٢ كانت عطلة رسمية .بمناسبة عيد الجيش العراقي حامي الوطن...قررت من ليلة أمس بما انها عطلة رسمية و احتفالات لماذا لا اجرب طب العرب كما يسمونه ..اعرف معالجا يجبر الرضوض والفصخ والكسور البسيطة بالطرق البدائية كما يسمونها. اتصلت عليه فقال اهلا وسهلا تفضل سهلة انا بانتظارك ..انطلقت

باتجاه ابو الخصيب مدينة الشعر والجمال والنخيل ..مدينة السياب.. البرودة جميلة مع اشراقة الصباح والهواء عليل .. ومع أصوات الاحتفالات سيضيع الم المعالجة ..

وصلت مكان بيته وجدت كل شيء تغير النخيل ازيح وبنيت مخازن والمنظر مختلف كليا سالت احد الأطفال فأشار إلى شارع ضيق جدا بين بناية مخزن ونخلات قليلة وبيوت حديثة بعضها لم يكتمل وأخرى قديمة جدا ..كانت هنالك امرأة ايضا أشارت لنفس الطريق.. دخلنا الطريق ..ايضا كل شيء مختلف ..اضطررت سؤال طفلة تلعب مع أخواتها واخوانها فقالت لاخيها الصغير اوصل الحجي.. لم يقبل الركوب معنا بالسيارة تقدمنا راكضا أمام السيارة مسافة وتوقف أمام ممر ضيق يتسع لشخصين مشيا بصعوبة قال هناك بيته.. اوقفنا السيارة ونزلنا فكان أمامي بيتا طينيا يقف متمايلا وتمسك اساساته بالأرض متشبثة خشية اية ليلة تأتي ممطرة.. التقطت صورة للباب الذي لايحتمل دفعة طفل.. وقفت بجانبه أتأمله.. فرأيت بجدارة المحاذي للطريق (رازونة)  وفيها إناء معدني فيه ملح تغير لونه إلى لون التراب .. لوجود أطفال خجلت ان التقط صورة للإناء والملح ..مشيت لبيت الطبيب أو الحكيم كما يسمونه اخوتنا في لبنان ..بيته جديد.. انه ليس نفس بيته القديم الذي زرته قبل كم سنة لمعالجة فقرات رقبة صديق.. بيته دون سياج او باب خارجي.. استقبلني رجل بمقتبل العمر ..بعد السلام والاستقبال البسيط المملوء طيبة دخلنا غرفة الاستقبال التي يعالج فيها رأيت صورة الرجل الذي عالج صديقي سألته اين الحاج ..قال الحاج اعطاك طولة عمره ..اي توفى. تأسفت له ..قال انا ابنه ورثت العمل منه .. سألني ما الامر شرحت له قال انزع ..ضحكت معه مازحا وما قصدك يا رجل ضحك خجلا . وحياء  قلت له امزح معك ماذا انزع قال اريد رؤية كتفك نزعت القميص.. فقال اجلس متربعا.. خرج دقائق وعاد مع قنينة زيت وبدأ يدلك كتفي وبعدها وضع ركبته بظهري وضغط ثلاث مرات على مكان الألم .. قال هل سمعت (الطقة) وشعرت بها كان هنالك الم خفيف ..والحمد لله قدم لنا الماء ..سألته كم تامر قال .. ما يأمر عليك ظالم ..انت براحتك ..

شكرته ودعناه انا وابني بعد وداعه في فضاء مفتوح خارج البيت في ثلاث نخلات ..بعد أن قال ليس هنالك تمزق ..او خلع .انه مجرد افتراك رمانة الكتف كما وصفها.. كم يوم وتعود لطبيعتها..

رأيت البيت الطيني مرة أخرى خلال مروري به للعودة تذكرت بيتنا قديما أيام زمان ..فيه ايضا مكان قريب من السقف تستبدل جدتي او ابي رحمهما الله بين فترة وأخرى الملح الخشن بملح خشن آخر..

ذات يوم كما هو هذا اليوم  6ك٢ خرجت عائلتنا بالكامل مع العشاء إلى مدينة الألعاب اذكر التاريخ في زمن الزعيم عبدالكريم قاسم وبعد اللعب واللهو والتنزه بالمدينة نسينا أنفسنا فكانت الساعة الثانية صباحا ..والناس مازالت متواجدة في المدينة ..خرجنا مشيا على الأقدام الشوارع مضاءة وأصوات الموسيقى والمفرقعات تطلق للتضىء السماء ..وصلنا البيت بعد الثالثة فجرا ..وانتبهنا ان الباب الخارجي لبيتنا مفتوح على الآخر..

لم يتكلم احد او يستغرب ..قلت لجدتي (بيبي اخاف حرامي) فتح الباب ..لم تنطق بإجابة قالت هاتوا السلم صعدت تتفقد الملح ..

قالت الحمد لله ونزلت ..سألتها ما دخل الملح ياجدتي قالت وليدي هذا الملح نعمة من نعم الله وهو يحرس بيتنا ..لم افهم ..نعم لاحظت جميع بيوت القرية يضعون الملح مثلنا ..قالت بيبي الملح يذكر الحرامي بالزاد والملح بين الناس ولا يمكن لحرامي ان يسرق أبناء ديرته او منطقته لأنه يحترم الملح والزاد الذي يجمع أبناء المنطقة الواحدة والمدينة الواحدة ..والمحتاج من حقه أن يدخل لأي بستان ويأخذ ما يشاء دون أن ينظر له أحد او يسأله..  او يقول له انت سارق.. هكذا كانت العلاقة بين الناس وحتى الحرامي عنده قيم وتقاليد واخلاق والملح يمنعه من السرقة..

كانت بيوتنا يحرسها الملح ..بل يذكر الناس بالصلة بينهم ..هكذا كان وطني ..

وكنا نذهب صباح هذا اليوم قرب سياج المعسكر في ساحة اسمى ارف (R.F) فيخرج جنود المطبخ يوزعون على الناس حلاوة عيد الجيش ذات الطعم الرائع الذي لامثيل له لليوم .وصمون الجيش ..ذلك الصمون المعمول من الشعير الخالص ذو النكهة الطيبة .وتطلق السفن المزامير ومنبهات الصوت الهوائية منذ الصباح الباكر.. ايذانا ان اليوم عيد الجيش وعطلة رسمية ..

اعادني هذا البيت إلى ذكريات البيت الطيني وشبابيكه وبرودته صيفا حيث يوضع العاكول الأخضر على الشباب من خارج البيت ويرش بالماء فتاتي نسمات أعذب من هواء التكييف المركزي ..

وفي الشتاء حيث الدفء لان جدرانه سميكة ووجود الموقد والفحم والشاي المتواجد دوما أو دلال القهوة ..وجهاز المذياع في فتحة داخل الجدار. .وتتابع الناس إذاعة بغداد او صوت العرب..

وتستمع بأغاني فيروز صباحا بعد فترة القرآن الكريم وصوت البلابل .وفي المساء السيدة ام كلثوم وعبد الوهاب وفريد عبدالحليم وحضيري.. وناظم الغزالي وصديقة الملاية .محمد الكبنجي وغيرهم من عمالقة الفن..

كل شيء، كان فيه طعم ومذاق الملح بطعم الحلاوة..

 

 

 


صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
تابعنا على الفيس بوك
التوقيت الان
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار
top