عدد الزوار الكلى : 2801474
5
يناير
2019
براءة الذمة ..ووفاء الغجر.. / يرويها.... الشاعر زكي الديراوي
نشر منذ 8 شهر - عدد المشاهدات : 239

حدثني صديقي الجنوبي الريفي الذي ولد عن اب وعن سابع جد عراقي بصري.. المالك لمئات الدونمات من الأراضي الزراعية المكتظة بالنخيل والخيرات في منطقة البوارين بلواء البصرة وحسب تسميتها القديمة ..صديقنا اعطته الأرض الزراعية الخشونة وأعطته المدينة الكثير من الانفتاح على أماكن اللهو والمرح والثقافة ..

قال وهو القائل دون كذب كانت لدينا أرض زراعية لانستطيع جمع محاصيلها بالكامل وكل موسم تفيض من الخيرات اطنان نجهل مصيرها وكيف تتلف ..في كل موسم لجني التمور تأتي قافلة ابو حاتم من الأحواز مؤلفة من عائلته المتكونة من ابنه الكبير حاتم وإخوانه وزوجتيه وبناتهم وعفشهم المحمل على مجموعة من الحمير.. لجمع التمور المتساقطة تحت النخيل وفرزها وكذلك قص عثوق النخيل المتبقية في موسها باعلى النخيل ووضعها في صناديق من الخشب..او في سلال من خوص النخيل لغرض التسويق وتوزيع قسم منها على الأهل والاقارب والاصدقاء...عائلة ابوحاتم يعيشون فترة الطواش كما يسمونها وقتها مع عائلتنا وينهضون من الصباح الباكر قبل الشروق بعد الافطار على الخبز الحار من التنور الطيني كان في بيتنا تنوران وفي البستان تنور آخر أكبر حجما للضيوف والفلاحين للخبز وشواء السمك ..الافطار دائما الحليب الساخن بالهيل الطازج الذي يؤخذ من ضرع الأبقار إلى الابريق مباشرة مع الزبد والبيض الطازج والبصل الأخضر والطماطة والخيار والخضروات والتمر والدبس ومع ما تيسر من خيرات الله ونعمه المجانية ..وايضا هنالك افطار اخر في فترة الضحى بين الصباح والظهيرة يجمعون التمر ويفرزونه ويضعون التمر الجيد في المكبس الذي يسيل من تحته الدبس الذي يسمى(دبس دمعة )..انه دبس التمر وفي نهاية كل موسم يعطي صاحب الأرض كمية تمر من نوع الزهدي لرغبتهم به وكان هذا التمر من أفضل التمور التي يصنع منها الخل ..

ويكرمهم والد صديقي حسب رضاه مبلغا بسيطا من المال ..يحملون امتعتهم وموادهم على الحمير ويعودون إلى ديارهم ..كان ابو حاتم شكى لنا جميعا بليلة سمر في مضيفنا انه مطلوب مبلغا كبيرا للناس موزعا بين البقال والجزار واخرين..تم وداعهم بعد ان ساعده الأهل وبعض الخيرين المتواجدين ليلة الوداع في المضيف على اضاءة الفوانيس التي تعمل على النفط الأبيض..

مع إطلالة الفجر كان ابو حاتم وعائلته يشقون البساتين بسرب من حمير تعرف طريق العودة دون دليل او جهاز جي بي اس..الذي لم يسمع به أحد وقتها او يعرفه لأنه غير مكتشف حينها..

ويقول صديقي بالمقابل كان عندنا باص خشبي نوع شفرليت ينقل مختلف الخضروات والتمور فجر كل يوم باتجاه سفوان ثم الكويت ..وهكذا كان صديقي يتنقل بين الريف وبساطته وبين المدينة التي تضج بدور السينما والملاهي والبارات والكازيونوهات وكثرة الاجانب والاجنبيات التي يسمونهن وقتها خواتين..جمع خاتون ..

كان صديقي كما يقول يقضي احيانا بعض الليالي في حي الطرب والتمتع بالغناء والاصوات الجميلة بالبحة والاداء الفريد من الطرب والات العزف اليدوية الجميلة بين الربابة والدف والرقص الشرقي الساحر الذي تنساب فيه الأجسام كالامواج بين ظلام الصحراء وانارة أبواب الخيم التي تعطيك ظلال من الاغراء ..

كان صديقي ينام ليال وليال حتى كأنه أحدهم حيث كان يجلب لهم دائما منتجات الأرض الزراعية..والسكائر الاجنبية من ماركات الروثمان والكينت والمارلوبورو وغيرها وبعض المشروبات الروحية..

مرت سنة ولم يأت ابوحاتم أستغرب الأهل وأهل المنطقة افتقدوه واهله..ولم نسمع اي خبر رغم ان السفر والتنقل وقتها لايتطلب موافقة او جواز او ورقة ثبتوية كلها أرض الله أينما تولي وجهك تجد قوما آخرين..

وجاء الموسم الثاني وبانت طلائع قافلة ابوحاتم وعائلته..استقبلتهم نساء القرية بالزغاريد والتهليل والتصفيق..جاء حاتم للمضيف وإخوانه..بعد الاستراحة والغداء..رن هاون المضيف دعوة عشاء للقرية على شرف عائلة ابوحاتم وخلال السمر سأله والدي حاتم اين الوالد ..اطرق برأسه وسقطت من عينيه بعض الدموع مسحها بكوفية راسه . قائلا..والدي توفي منذ سنة لذلك لم نات الموسم السابق ..تأثر الجميع وقدموا التعازي وقرأت سورة الفاتحة ترحما لذلك الأب الطيب....

وبعد العشاء وشرب الشاي والقهوة وأحاديث السمر والقصص سأله سيد القوم يا حاتم كنا نعرف أن والدك رحمه الله كان مديونا بمبالغ مالية للناس فهل وفيتهم عنه انها ذمة .. قال نعم والحمد لله ..فقلنا له جميعا بارك الله فيك ..واحسنت واستدرك السيد يا حاتم نحن نعرف اوضاعكم المالية كيف سددت المبالغ هل اقترضت المال او وجدت عملا جيدا ..

فقال يا مولاي ان اخفيت الأمر عنك لايخفى عن الله ..

نعم سددت مابذمة ابي والحمد لله ..

طيب كيف ..قال .والله الذي حلفت عليه حلفت عليه..(اقسمت) لا أدري به .. والذي انكرته انكرته... وهكذا تمت تصفية الديون .ساد الصمت برهة وتنطلق ضحكة كبيرة من أبي تتبعها ضحكات والسيد يقول اعد اعد ماذا قلت ياحاتم ..حلفت حلفت كذبا وانكرت البقية ..ضحك هو وقال نعم برأت ذمة والدي والحمد لله ..فقال له أبي تهانينا الوالد ان شاء الله بالجنة مع الصالحين ..

مرت تلك الليلة وكأننا في فلم فكاهي..

حتى غادر حاتم وعائلته مودعا بحفاوة كبيرة ..

يقول صاحبي بعد ثلاثة أيام توفي جدي ...وازدحم المعزين في مضيفنا الواقع على شط العرب مباشرة تاكل الناس وتغسل اليدين. والوضوء وغسل الأواني والطبخ من ماء شط العرب مباشرة ..

ثاني يوم العزاء توقف زورق قرب المضيف وفيه رجل وقور بعقال مذهب وعباءة رجالية فاخرة وثيابه الصاية والزي العربي كانت من القماش الانكليزي الفاخر ترجل واذا بالمضيف يقف عن آخره يستقبلون الضيف ونزل العامل الذي بالزورق خروفا وكيس رز. وعلبة صفيح دهن الراعي كبيرة .وكيس طحين ..ومواد أخرى انبهر الجميع وقاموا له بالصلوات واستقبلوه استقبال الملوك واجلسوه بجنب السيد كتفا على كتف قرأ الفاتحة ..حان موعد الغداء وضعوا أمامه راس الخروف اكراما له ولشرف هذا المقام وضعه السيد بيده ..سال علي تحججت لعمي انشغالي بالعمل. بعدها سلمت عليه بإحياء وقدم لي التعازي بحرارة وعناق مع استغراب الجميع ان هذا الشيخ الوقور الغني جدا صديقي ..انتهى الغداء قال الضيف رحم الله من أعاد قرأءة سورة الفاتحة ..توسلوا به البقاء للعشاء اعتذر لان الزورق ينتظره والمدينة بعيدة..اخرج ١٠٠ مئة دينار قال هذا واجب الفاتحة ..خجل ابي من هذا المبلغ لان الناس وقتها تعطي خمسين فلسا او مئة فلس اوصلوه بحفاوة بالغة الى الزورق جميع الحضور وعلى رأسهم السيد وشيخنا وابي وافراد العشيرة ... بعد أن رحل وعاد الناس للمضيف وحديثهم كرم هذا الرجل.

جاء عمي وبيده الدفتر قائلا اعطنا اسم صديقك الشيخ لنكتب اسمه بالدفتر ..فجاء ابن عمي قائلا يا ابي هذا شيخ الكاولية يقصد(الغجر). ..

صرخ عمي محاولا ضربي هو وابي.. هربت للجهة الثانية من النهر..

انظر إليها اليوم أرض قاحلة جرداء ..وعيني تدمع على خيرات رحلت مع اهلها ..كلما أشتري كيلو تمرا تدمع عيني حسرة على تلك الجنان ..التي لم نحافظ عليها ...

 

 

 

 


صور مرفقة









أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
تابعنا على الفيس بوك
التوقيت الان
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار
top